القرطبي

96

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

جنبتا الوادي . وشراب ألبان وآكل تمر ، فيكون قوله : " وامسحوا برءوسكم وأرجلكم " عطف بالغسل على المسح حملا على المعنى والمراد الغسل ، والله أعلم . الرابعة عشرة - قوله تعالى : " إلى الكعبين " روى البخاري : حدثني موسى قال أنبأنا وهيب عن عمرو - هو ابن يحيى - عن أبيه قال شهدت عمرو بن أبي حسن سأل عبد الله بن زيد عن وضوء النبي صلى الله عليه وسلم فدعا بتور ( 1 ) من ماء ، فتوضأ لهم وضوء النبي صلى الله عليه وسلم ، فأكفأ على يده من التور فغسل يديه ثلاثا ، ثم أدخل يده في التور فمضمض واستنشق . واستنثر ثلاث غرفات ، ثم أدخل يده فغسل وجهه ثلاثا ، ثم أدخل يديه فغسل يديه إلى المرفقين ثلاثا ( 2 ) ، ثم أدخل يده فمسح رأسه فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة ، ثم غسل رجليه إلى الكعبين ، فهذا الحديث دليل على أن الباء في قوله " وامسحوا برءوسكم " زائدة لقوله : فمسح رأسه ولم يقل برأسه ، وأن مسح الرأس مرة ، وقد جاء مبينا في كتاب مسلم من حديث عبد الله بن زيد في تفسير قوله : فأقبل بهما وأدبر ، وبدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه . واختلف العلماء في الكعبين فالجمهور على أنهما العظمان الناتئان في جنبي الرجل . وأنكر الأصمعي قول الناس : إن الكعب في ظهر القدم ، قاله في ( الصحاح ) وروي عن ابن القاسم ، وبه قال محمد بن الحسن ، قال ابن عطية : ولا أعلم أحدا جعل حد الوضوء إلى هذا ، ولكن عبد الوهاب في التلقين جاء في ذلك بلفظ فيه تخليط وإيهام ، وقال الشافعي رحمه الله : لم أعلم مخالفا في أن الكعبين هما العظمان في مجمع مفصل الساق ، وروى الطبري عن يونس عن أشهب عن مالك قال : الكعبان اللذان يجب الوضوء إليهما هما العظمان الملتصقان بالساق المحاذيان للعقب ، وليس [ الكعب ] ( 3 ) بالظاهر في وجه القدم . قلت : هذا هو الصحيح لغة وسنة فإن الكعب في كلام العرب مأخوذ من العلو ومنه سميت الكعبة ، وكعبت المرأة إذا فلك ثديها ، وكعب القناة أنبوبها ، وأنبوب ما بين كل عقدتين

--> ( 1 ) التور إناء يشرب فيه ، أو طست أو قدح أو مثل القدر من صفر أو حجارة . ( 2 ) الذي في صحيح البخاري : ثم غسل يديه إلى المرفقين مرتين . ( 3 ) الزيادة عن ابن عطية .